ابن عرفة
59
تفسير ابن عرفة
أعلمه حين يلقى الحفظة له كان دليلا على أنه غني عنهم ، فإن قلت : ما أفاد : يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ وهو كقولك : تضارب في المتضاربان ؟ قلت : تفيد إما بتقييده باليمين والشمال ، وإما بأن ذلك إنما يكون غير مفيد إن لو كان المراد أن كل واحد يلقى صاحبه ، وليس المراد الإخبار بلقاء كل واحد منهما صاحبه بل بلقائهما معا المكلف . قوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ . ذكر القول دون الفعل لأنه أكثر ، فإذا أخص القول فأحرى الفعل ، فإن قلت : هذا لأن يتناول حديث النفس ، ولو قيل : ما يصدر من قول لتناوله والعبد إذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ، وإن هم بسيئة فلم يعملها ولم يوطن نفسه عليها لم تكتب ، فإن وطن نفسه عليها كتبت عليه سيئة ، قلت : هذا راجع إلى العمل لا إلى القول . قوله تعالى : رَقِيبٌ عَتِيدٌ . يحتمل أن يكون صفتين لموصفين ، فيكون ملك الشمال رقيبا أي مراقبا عليه ؛ لأنه يكتب السيئات ، وملك اليمين عتيدا أي حافظا يحفظ له ما يصدر عنه من الحسنات فيكتبها ولا يضيعها ، ويحتمل أن يكونا صفتين لموصوف واحد . قوله تعالى : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ . حكى الفخر في المحصل : الخلاف في الموت هل هو أمر وجودي أو أمر عدمي ؟ واحتج لمن قال : أنه وجودي ، بقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ سورة الملك : 2 ] ، وأجيب : بأن يكون خلق بمعنى قدر ، والتحاكم في هذا إلى اللغة هل ورد خلق بمعنى قدر ؟ وفي الآية رد على الفلاسفة والطبائعية القائلين بأن هذه الأجسام بطبعها فانية لا تقبل البقاء لما فيها من العفونات ، إذ لو كانت كذلك لما احتيج إلى نفي نفع المجيد من ذلك ، ولما احتيج إلى زيادة بالحق ، وجعل الموت سكرة تشبيها له بالسكر من الخمر لأنه يغيب العقل والحواس . قال الإمام الغزالي رحمه اللّه : ولا يذوق من شدة مرارة الموت إلا لمن سوى الأنبياء والأولياء ، قال : وأما الأنبياء والأولياء فتألمهم بمفارقة النفوس لأبدانهم كما يتألم المحب بمفارقة محبوبه لأن نفوسهم كانت ذكية شريفة وخالطت [ . . . ] شرف بها ، فعند انفصالها يتألم من الانفصال والمفارقة لا بسبب الوجع الذي يجده من الانفصال والمفارقة ، انتهى . ويرد هذا ما ورد في حديث مسلم : أن رجلا رأى النبي صلّى اللّه